حسن حنفي

378

من العقيدة إلى الثورة

في عالم . فالحرية في العالم . الموقف أو العالم هو الطرف الآخر لحرية الانسان وليست أية إرادة خارجية مشخصة . وعلاقة الطرفين ، الحرية والعالم ، ليست علاقة رأسية كما هو الحال في الوضع القديم بين إرادة الانسان وإرادة العالم المشخصة بل علاقة أفقية يتحدد فيها سلوك الانسان بين الاحجام والاقدام ، بين الوراء والامام . فما ظنه القدماء على أنه علاقة بين الانسان والله هو في حقيقة الامر علاقة بين الانسان والعالم العريض ، بين الانسان والتاريخ بسلوك الانسان فيه بين التأخر والتقدم . كما أن القيم لا تتفاوت رأسيا بل تتفاوت أفقيا . القيمة الأكمل هي التي تحقق أكبر قدر ممكن من العدالة لأكبر عدد ممكن من الناس ، وأكبر قدر ممكن من الحركة والتقدم لأكبر قدر ممكن من البشر . القيم مادية ، في مادتها وصورتها وليست صورية فارغة . القيم محسوسة ملموسة وليست مضمرة متطهرة يتستر وراءها الشبق المادي . والقيم اجتماعية وليست فردية ، عامة وليست خاصة ، تعبر عن وجود الانسان وكماله وطبيعته وليس عن عدمه ونقصه وزيفه وافتعاله . ولا يعنى الابتلاء أو المحنة وقوع المصائب وأن الحياة هي مجموعة من المآسي تقع على رؤوس البشر بل تعنى المحنة أو الابتلاء أن الحياة مجموعة من المواقف أو التجارب أو الصعاب أو العقبات يتخطاها الانسان بحريته . لا يثبت الفعل الا بالمقاومة والجهد ولا يصقل الا بالعقبة . ليست المحن هي المصائب البدنية أو المادية أو النفسية بل هي التجارب التي يمر بها الانسان والتي يوجد فيها وهو يحقق رسالته . المحنة في الدين شاملة لمحن الدنيا « 675 » . وهذا هو معنى التكليف . إذ يعنى التكليف أن للانسان رسالة في الحياة ، وأنه هو الّذي قبلها باختياره بما أنه سيد الكون وملك الطبيعة بما لديه من قدرة على القرار والاختيار الحر ، وبما لديه من قوة على

--> ( 675 ) المحن في العالم معروفة ، وهي اما في الجسم بالعلل واما في المال بالاتلاف واما في النفوس بالخوف والهوان والهم بالأهل والأحبة والقطع دون الامل . لا محنة في العالم لا تخرج عن هذه الوجوه الا المحنة في الدين ، الفصل ج 3 ص 125 - 126 .